محمد بن جعفر الكتاني

282

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وظل اللّه على العالمين ، المتوكل في أموره على خالقه ومولاه ؛ أبو محمد مولانا عبد اللّه ابن السلطان المؤيد ، المظفر الممجد ، أمير المؤمنين ، المجاهد في سبيل رب العالمين ، المحلى بكل وصف جميل ؛ أبي النصر مولانا إسماعيل ابن السيد الجليل المنيف ؛ أبي عبد اللّه سيدي محمد ؛ المدعو : الشريف الحسني العلوي . من شرفاء سجلماسة العلويين ، الذين هم من صرحاء الأشراف نسبا ، وفضلائهم حسبا ، وكبرائهم اقتدارا ، وعظمائهم اشتهارا . طلعوا في سماء المجادة بدورا ، وبرزوا في محافل السيادة صدورا ، وتساموا في المغارب والمشارق ظهورا ، وحملوا من الجلالة والمهابة لواء منشورا . لهم في علو الهمة ، ونفوذ العزمة ؛ منصب لا يضاهى ، ومرقب لا يباهى . آبية نفوسهم ، طيبة غروسهم ، عزيز جارهم ، محمي ذمارهم ، كريمة سجاياهم ، عظيمة مزاياهم ، تلقاهم في المكاره ليوثا ، وفي المكارم غيوثا . أحرزوا من الفطر العلية قديمها ، ومن السير العلوية فخيمها ، وبرعوا أقرانهم من الأشراف ، بجمع شعبتهم المباركة ثلاثة أصناف ؛ فكان منهم : الأكابر من الأعلام ، والكثير من الصلحاء الكرام ، والملوك والسلاطين العظام . خلد اللّه في الخيرات مآثرهم ، وأيد بالتوفيق أوامرهم ، وأرشد البقية منهم لصالح الأعمال ، وأهلهم لما يحبه ويرضاه في الحال والمآل . . . آمين . بويع صاحب الترجمة منهم بعد وفاة أخيه السلطان أبي العباس مولانا أحمد الذهبي ، وذلك سنة إحدى - وقيل : اثنين وأربعين ومائة وألف . فكان ذا حزم وعزم ، وإبرام وقوة ، [ 228 ] ونجدة وشجاعة وإقدام ، وعلو همة وإباء ، وجود وكرم وسخاء ، عزيز الجار ، محمي الذمار ، شديد المحبة لآل البيت الكرام ، كثير المودة لهم على الدوام ، كثير الإجلال والتعظيم للصلحاء والأولياء ، عظيم الاحترام للعلماء ، والطلبة والمرابطين والضعفاء . ومن مآثره : الهدية النفيسة التي بعثها مع الركب المغربي إلى الحرم الشريف - وذلك : سنة خمس وخمسين ومائة وألف - وفيها : ثلاثة وعشرون مصحفا ؛ بين كبير وصغير ، محلاة بالذهب ، مرصعة بالدر والياقوت . ومن جملتها : المصحف الكبير العقباني ؛ الذي نسخه بالقيروان عقبة بن نافع الفهري الصحابي المشهور ، فاتح المغرب ، من المصحف العثماني - على ما قيل - وبقي متداولا بين أهل المغرب إلى أن وقع بيد الأشراف السعديين ، ثم بيد صاحب الترجمة ، فغربه من المغرب إلى الحجرة الشريفة ، فعاد به الدر إلى وطنه ، والإبريز إلى معدنه ، وبعث معه ألفين وسبعمائة حصاة من الياقوت المختلف الألوان للحجرة النبوية ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام . تقبل اللّه عمله ، وأجزل ثوابه بمنه . . . آمين .